الملتقى الوطني الثالث للشعر الفصيح في كتاب
بقلم: بشير خلف
ما أكثر الملتقيات الفكرية والإبداعية التي تنظم في بلادنا كل سنة سواء في الجامعات، أو من قبل الوزارات ومديرياتها الولائية، أو هكذا من الجمعيات الثقافية الوطنية والولائية، وبطبيعة الحال فالعديد من هذه الملتقيات ذات منحى أكاديمي راقٍ، غير أنها بمجرّد اختتام فعالياتها يختفي وهجها، وبمرور الأيام تصبح ألاّ حدث ، لا يستفيد منها منظموها معرفيا، ولا المشاركون فيها، ولا الآتون من الأجيال الجديدة..والسبب واضحٌ جليٌّ أننا ــ وهذا معروف ـ أننا لا نعير اهتمامًا للتدوين والتوثيق.
إن المشهد الثقافي بولاية الوادي شذّ عن هذه القاعدة منذ سنوات، حيث أيّ فعْل ثقافي مهما كان نوعه بمجرّد اختتامه تُجمع مداخلاته، ومحاضراته وتصدر في كتاب لا يُباع، وإنما يوزع على نطاق واسع على المثقفين والمبدعين، والباحثين، ومديريات الثقافة، ودور الثقافة، وعلى وسائل الإعلام المكتوبة.
في هذا المجال وكعادتها في كل ملتقى فكري سواء تعلق الأمر بالشعر الفصيح، أو التراث الثقافي، أو مهرجان الأغنية السوفية؛ هاهي مديرية الثقافة بولاية الوادي تصدر كتابا جديدا حول الملتقى الوطني الثالث للشعر الفصيح الذي انتظم في شهر مارس من السنة الفارطة 2011 تحت شعار" توظيف الثقافة الإسلامية في الشعر الجزائري المعاصر"..أصدرته هذه الأيام وهي تحضّر للملتقى الوطني الرابع للشعر الفصيح الذي سيُنضّم أيام: 12/22/23 فيفري من هذه السنة تحت شعار" الشعر والحرية".
الكتاب..الشكل والمحتوى
الكتاب من الحجم المتوسط .. ورقٌ صقيل ناصع البياض..تصميم رائع للغلاف يتصدره حرف "ض" رمز اللغة العربية، وخلفية سماوية اللون صافية ..الكتاب في 144 صفحة. يتكون بعد التقديم وكلمة افتتاح الملتقى من الأستاذ حسن مرموري مدير الثقافة بالولاية من:
1 ــ القصائد . 2 ــ المحاضرات .3 ــ الشعر عبْر فضاء المسرح 4 ــ من ذاكرة الملتقى ( صور تذكارية).
ومّا جاء في كلمة الافتتاح للأستاذ حسن مرموري مدير الثقافة :
«….لقد جاءت هذه الطبعة بعد أيام من اليوم العالمي للغة العربية الذي حددته منظمة أليسكو وهو 01 مارس؛ وفي استضافة بلادنا لتظاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية التي تحتضنها مدينة تلمسان لسنة كاملة 2011.
ومنه إيمانا منا بمكانة اللغة العربية، وجمالها من جهة، وأهمية، ورمزية التظاهرة المذكورة من جهة أخرى أردنا أن تكون الحضارة والثقافة الإسلامية موضوعا لملتقانا الثالث لما لها من ثراء وتنوع، وأصالة وعمق في مجتمعنا وتاريخنا ،انطلاقا من المصحف الشريف إلى السنة بأنواعها،إلى الشخصيات الإسلامية إلى معالم…كلها تشكل اليوم مخزونا ثقافيا هائلا، ومرجعا لكل فكر، وإلهامًا لكل إبداع .
كان حلمنا كبيرا هذه المرة ،ذلك أننا عملْنا حتى آخر لحظة لجعل هذه الطبعة مغاربية إيذانًا للقفز بالطبعات القادمة إلى العالمية، وجعل من الوادي من أهم مراكز استقطاب المواهب، والخبرات، والأدمغة العربية في مجال الآداب والإيداع.»
القصائـــــــد
في هذا القسم الذي يضمّ 26 قصيدة لفرسان الشعر تنافسوا بها على الفوز في مسابقة الملتقى ..شعراء قدموا من ربوع الجزائر..من تلمسان،وهران،الجزائر،برج بو عرريج، قسنطينة، جيجل،قالمة،المسيلة،أدرار،تمنراست، الوادي..وحتى تونس الشقيقة ممثلة بالشاعر جمال الدين صليعي بقصيد له بعنوان:نحاول ملكًا.. الجزائر كلها ممثّلة في الملتقى..بلابل صدحت بالكلم الطيب ..تغنت بالجزائر الحبيبة..شدت بالوطن العربي بأرض اليمامة، وبغزة الجريحة ..أخذت هذه القصائد من مساحة الكتاب الجزء الأكبر 88 صفحة.
الشاعر عبد الكريم العيداني من البرج يصدح بعبق تاريخ النيل ومآثره..ثم المآل الذي صاره:
"النيل" يجري والسحاب يدلله *** والنخل يرقص في الضفــاف وسنبله
وتدفــــــق للماء قبل الماء في ***كتب السماء حتى الماء يجهــله
وحكاية لـــــلخير جن لذكرها ***شعري و"نجم" إن حكاها تسعله
النيل يجري والشباك مــــليئة *** وتخونني مــــحبوبتي . . وتقبله
النيل يجري والعيون حـــزينة ***والشعب يظمأ ، والسراب يكبله
كم ذاق مر ّالعيش يطلب عيشه ***كـــــم ذاق مر الجوع وهو يذلله
الشاعر عبد الحليم مخالفة من ولاية قالمة يهدي قصيده إلى سيّد شهداء المقاومة الإسلامية ..وزعيمها الروحي الشيخ الشهيد أحمد ياسين
هو لم يمتْ
إني أشكُّ بما يروَّج بيننا
عن موتهِ
هو لم يمتْ
إني أراه أرى الحواريّين حولهُ
منصتين لصوتهِ
هو لم يمتْ
ما زلتُ أؤمن أنه لم ينتهِ
فلعلَّ من قصفوه كان شبيههُ
ولعلَّ من قتلوه كان شبيههُ
ولعلَّ من دفنوه كان شبيههُ
ولعلَّهُ
لما يزل في الغار معتكفا يرتِّلُ
سورة الأنفال للأجيال جهراً
أو يدوِّن ما تلاشى
من كلام الأنبياءْ
أو ربما كان الإلهُ
قد اصطفاهُ (مخلِّصاً)
وقضى برفعه للسماءْ
هو لم يمتْ
سيعود فوق بُراقهِ
متخضِّبا بدمائهِ
الشاعر جمال الدين صليعي من تونس يستنطق هذا الوطن العربي عن قدسياته، وأمجاده، تتالى في قصيده وهّاجة مضيئة عبْر التاريخ..يستجمعها ويسائلها أبالإمكان ثورانها من جديد في" نحاول ملْكًا":
وَدُونَ مُلْكِكِ دَرْبٌ ظَلَّ سَالِكُهُ
يَكْسُوهُ مِنْ غَيْظِهِ الطَّمَّاحُ مَا نَسَجَا
لَوْ أَنَّ مِثْلَ نُفُوسِ النَّاسِ أَنْــــفُسُنَا
كُــــنَّا خَشِينَا سَوَادَ الدَّرْبِ وَالدُّلَجَا
كُنَّا سَنَلْبَسُ مِنْ رَثِّ الرِّضَى خِرَقًا
وَجَاءَ ثَوْبُ رِضَانَا ضَيِِّّـــقًا حَرِجَا
لَكِنَّـــــــــــــنَا أُمَّةٌ عَزَّتْ مَنَابِتُهَا
فَلَيْسَ تَرْضَى هَوَانَ الحَالِ وَالعِوَجَا
هُنَا وَسِعْنَا كُــنُوزَ الفَضْلِ أَجْمَعَهَا
هُــــــنَا تَكَلَّمَتِ الدُّنْيَا وَمَنْ دَرَجَا
هُــــنَا تَرَجَّلَ جِبْرِيلُ البَهِيُّ، هُنَا
هُنَا تَدَفَّقَ قُرْآنُ السَّمَا لُـــــجَجَا
الشَّمْسُ تَعْشَقُ بَيْنَ العُرْبِ مَشْرِقَهَا
فَإِنْ تَوَارَتْ تَوَارَتْ عِنْدَهُمْ غَنَجَا
يَسْرِي العَبِيرُ خَــــلِيجِيًّا لِيَرْشُفَهُ
مَاءٌ لِأَهْلِكَ فِي البَيْضَاءِ، وَامْتَزَجَا
وَكَــــــبَّرَ الحَرَمُ الزَّاهِي بِكَعْبَتِهِ
فَصَلَّتِ القَيْرَوَانُ الفَجْرَ، فَانْبَلَجَا
وَشَائِجٌ كُلُّ أَسْبَابِي وَأَفْـــرُعُهَا
حَيَّاكَ غَرْسُكَ مَا أَدْنَى وَمَا وَشَجَا
قَامَاتُنَا النَّخْلُ وَالزَّيْتُونُ بَارَكَنَا
وَعِنْدَ أَنْهَارِنَا غَنَّى الهَوَى هَزِجَا
اللَّيْلُ وَالخَيْلُ وَالبَيْدَاءُ نَعْرِفُهَا
الشاعر أحمد مكّاوي من الوادي صعب عليه تنائي محبوبته، فكانت عليه عصية وهو العاشق الولهان المتيّم بتا:
عصي على الجــرح أنـــــــــــــــــت
وأنت الذي في سماوات بوحــــــك
أسرجت صمتا له من معانيك شوق
ومن شجـــــــن الحرف أعلى مقام
مساؤك كان الندامى به يشرقـــون
وكأسك تشرب خـــــــــمر شفاهك
تستـــــــــطلع فيها الذي قد يكون
وصبحك من عــسل أسكرته التي
راودت فــــــــــــــي رؤاك أمانيك
أحــــــيت ســــــــــــنا الوجد فيك
وفـــــــــــــــــــيك انتضت خنجرا
ما فتئ الشاعر الكبير المتنبئ رغم رحيله منذ قرون يستلهم منه الشعراء نخوة العروبة، وعزة النفس، وقوة الفروسية، والإصرار في الدفاع عن الحمى ..هذا الشاعر والفنان أحمد عبد الكريم ينصّب المتنبئ أميرًا بامتياز:
كأني أرى المتنبي أميرًا،
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ